اسماعيل بن محمد القونوي
127
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( وهو دليل على جواز الكرامة للأولياء ) أي مع وجودها ولذا قال وجعل ذلك أي المذكور الموجود من الخارق العادة . قوله : ( وجعل ذلك معجزة زكريا يدفعه اشتباه الأمر عليه ) إذ الظاهر أن الاستفهام على حقيقته ولا صارف عنه وكون قول زكريا عليه السّلام لتحقيق أن مريم يعلم مع صغرها من أين له الرزق أم لا خلاف الظاهر على أن قوله تعالى : هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا [ آل عمران : 38 الآية ] شاهد على ما قاله المص ومثل قول المعترض المذكور بناء على الذهول عن هذا ولذا قال المص لما رأى كرامة « 1 » مريم هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ [ آل عمران : 38 ] الآية . قوله : ( قالت هو من عند اللّه ) أي هو من الجنة لا من البستانين فالعندية مكانية وهو استعارة تمثيلية . قوله : ( فلا تستبعد ) ترك هذا أولى إذ الاستفهام بناء على الاشتباه لا على الاستبعاد ( قيل تكلمت صغيرة كعيسى عليه السّلام « 2 » ولم ترضع ثديا قط وكان رزقها ينزل عليها من الجنة ) . قوله : ( لكثرته أو بغير استحقاق تفضيلا به وهو اللّه تعالى يحتمل أن يكون من كلامها ) فحينئذ يكون تعليلا لكونه من عند اللّه فيكون تفضلا ناظرا إليه ( وأن يكون من كلام اللّه تعالى ) بغير تقدير فحينئذ يكون ابتداء كلام لا تعليلا مسوقا لتصديق مريم ويكون بغير تقدير لكثرته ناظرا إليه وللمبالغة عبر عن الكثرة بغير تقدير يعني نفي تقدير كناية عن التوسيع ولا يراد ظاهره فإن الحساب والتقدير متحقق وإن وسع كمال التوسيع وختم الكلام به يناسب ما قبله أشد مناسبة على التقديرين وعلى المعنيين ومعنى بغير استحقاق لغير حساب مجاز فإن حاصله بغير اتعاب والأتعاب لازم للحساب فنفي الملزوم وأريد نفي اللازم وهذا المعنى أمس بالمقام والتعرض للأول لأنه مستلزم للثاني « 3 » . قوله : ( قيل تكلمت صغيرة كعيسى ) جعله مشبها به لأنه ثابت بالنص ومشهور الذين تكلموا في المهد أحد عشر نظمهم الجلال السيوطي : تكلم في المهد النبي محمد * ويحيى وعيسى والخليل ومريم وصاحب جريح وشاهد يوسف * وطفل لذي الأخدود يرويه مسلم
--> ( 1 ) ولو قاله على تحقق الكرامة لكان أصلا في المراد . ( 2 ) وهذا الحديث أخرجه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه وابن الحاكم في مستدركه وصححه عن ابن عباس وأبي هريرة رضي اللّه تعالى عنهم وسيجيء التفصيل في سورة يوسف . ( 3 ) وقيل والمعنى أنه عليه السّلام أقبل الدعاء من غير تأخير كما ينبئ تقديم الظرف وليس للحصر إذ ذلك المكان جزء من العلة التامة التي من جملتها كبر السن وضعف قواه وخوف مواليه حسبما فصل في سورة مريم ولا يخفى ضعفه من وجوه عدم مراعاة كلما فإنه لعموم الأوقات وتقديم الظرف أبناءه كون الدعاء من غير تأخير مما لا يعهد في علم البلاغة وتعرض العلة التامة في مثل هذا البيان مما لا يخطر بالبال فإن مثله لا يرجى إلا من فضلك وكمال قدرتك فإني وامرأتي لا تصلح للولادة بحسب العادة كما أخر يعقوب عليه السّلام استغفاره ودعاءه بنية إلى وقت السحر أو يوم الجمعة .